الجمعة. يونيو 12th, 2026

صدمة في الأسواق: الذهب في نفق مظلم ورهانات المخاطرة تنذر بانهيار تاريخي

حالة من التشكك العميق تسيطر حالياً على أروقة تداول الذهب، والمضاربون في عقود الخيارات دخلوا في مرحلة من الرهان العنيف على نزيف للأسعار قد يستمر لسنوات. بيانات التضخم الأمريكية الصادرة يوم الأربعاء صبت الزيت على النار، وخلقت ضغطاً بيعياً دفع الذهب للهبوط إلى أدنى مستوياته منذ نوفمبر 2025.

اللافت للنظر بشكل يثير القلق هو التحرك العنيف في سوق الخيارات لصندوق الاستثمار المتداول للذهب (GLD). فبعد أن فقد الصندوق أكثر من 3% من قيمته، عادت الرهانات المتشائمة لتتصدر المشهد بكل ثقلها. لكي تتخيل حجم الصورة، من أصل 200 مليون دولار تم تداولها كعلاوات خيارات، هناك حوالي 130 مليون دولار التهمتها عقود البيع (Put-Optionen) وحدها. ثمانية من أصل عشرة عقود هي الأكثر تداولاً كانت تراهن صراحة على استمرار انهيار الأسعار. المثير للاهتمام وسط هذه الزوبعة هو ظهور عقد بيع يمتد أجله حتى يونيو 2028 بسعر تنفيذ يبلغ 240 دولاراً. هذا العقد لن يحقق مليماً واحداً من الأرباح إلا إذا انهار صندوق GLD بحوالي 40% إضافية خلال السنتين القادمتين. هذه الأرقام تلخص تماماً كيف انقلب مزاج السوق رأساً على عقب، خاصة وأن الصندوق يتداول بالفعل منخفضاً بنسبة 25% عن القمة التي سجلها في فبراير.

دوافع الانهيار ولعبة الجيوسياسة المراقبون للسوق يقرؤون هذا الضعف من زوايا متشابكة. “نيجام أرورا” من تقرير أرورا يضع يده على أسباب جوهرية، مشيراً إلى عمليات بيع مكثفة للذهب من جانب البنك المركزي التركي في محاولة يائسة لسند الليرة، تزامناً مع تسييل أصول من دول الخليج لتوفير سيولة إضافية فرضتها تكاليف الحرب الدائرة في الشرق الأوسط. على الجانب الآخر، رفعت الهند الرسوم الجمركية على الذهب، مما خنق الطلب. من الناحية الفنية البحتة، تعقدت الأمور أكثر بمجرد كسر مستويات دعم رئيسية، مما أدى لتفعيل أوامر البيع التلقائية وزاد الطين بلة. في سياق هذه الأزمة، فقد الذهب حوالي 20% من قيمته منذ بداية الحرب مع إيران، وهو تراجع يحمل دلالة مرعبة في قاموس أسواق المال، لأنه يُعتبر الخط الفاصل بين “التصحيح الطبيعي” والدخول الرسمي في نفق “السوق الهابطة” (Bear Market).

في المقابل، الصورة تبدو معكوسة تماماً في أسهم شركات التعدين. داخل صندوق استثمار شركات التعدين (GDX)، رجحت كفة شراء عقود الشراء (Call-Optionen) بشكل واضح يوم الأربعاء. المستثمرون هناك يراهنون بوضوح على قدرة هذه الشركات على الاستمرار في حصد أرباح دسمة رغم تهاوي أسعار الذهب نفسه، في مفارقة تستحق التأمل.

متاهة التضخم وحيرة الفائدة بيانات التضخم الأمريكية الجديدة شكلت حجر عثرة إضافي أمام الذهب. مؤشر أسعار المستهلكين سجل قفزة في مايو بنسبة 0.5% مقارنة بالشهر السابق، وبنسبة 4.2% على أساس سنوي، مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع فواتير الطاقة نتيجة صراع الشرق الأوسط. هذه الأرقام رسخت القناعة بأن الفيدرالي الأمريكي سيضطر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو ربما زيادتها.

أداة “FedWatch” التابعة لمجموعة CME تعكس حالة من التخبط في قراءة المستقبل؛ فبينما يرى المتداولون احتمالاً بنسبة 66% لرفع الفائدة في ديسمبر، تظهر نفس الأداة احتمالاً بنسبة 59% لرؤية خفض واحد على الأقل للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قبل نهاية العام. وفي خضم هذه الضبابية، أخذ البنك المركزي الأوروبي خطوته يوم الخميس ورفع سعر الفائدة الأساسي لأول مرة منذ ثلاث سنوات بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 2.25%. وبما أن الذهب أصل لا يدر عائداً دورياً، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل دائماً ضربة قاصمة لجاذبيته.

نتيجة لذلك، استمرت موجة التصفية، وهبطت العقود الآجلة للذهب يوم الأربعاء بنسبة 3.5% لتستقر عند 4,108 دولار للأوقية، مسجلة بذلك أقصى خسارة يومية منذ أواخر مارس وأدنى سعر إغلاق منذ نوفمبر 2025. الأنظار تتجه الآن نحو مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيجان، والذي من المتوقع، وفقاً لمسح Trading Economics، أن يسجل تحسناً من 44.8 إلى 46.0 نقطة.

النفط يلتقط أنفاسه بعد تراجع ترامب بعيداً عن بريق الذهب الباهت، شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً في تداولات الجمعة المبكرة، موسعة بذلك خسائر اليوم السابق. نقطة التحول هنا كانت قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء ضربات عسكرية كانت مقررة ضد إيران. هذا التراجع التكتيكي سحب فتيل الأزمة مؤقتاً وهدأ من روع الأسواق التي كانت تخشى انزلاق الأمور لتصعيد شامل، خاصة بعد المناوشات التي شهدتها بداية الأسبوع. إيران كانت قد صعدت لهجتها يوم الخميس مهددة بإغلاق مضيق هرمز، معلنة أن أي سفينة تحاول العبور ستكون في مرمى النيران. لكن الجيش الأمريكي تدخل عبر منصات التواصل الاجتماعي لامتصاص الصدمة، مؤكداً أن حركة السفن التجارية في الممر المائي ستستمر ولن تتوقف.

هذا الانفراج النسبي ظهرت ملامحه بوضوح في الأسعار صباح الجمعة. بحلول الساعة 6:45 صباحاً، تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط (WTI) بواقع 1.48 دولار لتسجل 86.23 دولار للبرميل، بينما انخفض خام برنت بمقدار 1.63 دولار ليستقر عند 88.75 دولار. وفي نفس التوقيت، حاول الذهب التمرد على مساره الهابط مسجلاً انتعاشة طفيفة؛ حيث ارتفع العقد الآجل الأكثر تداولاً (تسليم أغسطس) بحوالي 101.40 دولار، ليصل إلى 4,215.40 دولار للأوقية، في محاولة لالتقاط الأنفاس قبل إغلاق أسبوع مليء بالصدمات.

Related Post