داء التحضر ووباء التمدن

مقالات
15 فبراير 2019آخر تحديث : منذ شهرين
حيدر السعيدي

حيدر السعيدي // في ايام الثمانينيات من القرن الماضي كانت اكثر العوائل الجنوبية تمنع ابناءها من من شراء التلفزيون الملون, وتبيح اقتناء التلفزيون العادي, وتبريرهم لهذه الازدواجية بين المنع والمنح, ان التلفزيون العادي لا يظهر الممثلات بصورة واضحة مما يجعل متابعة الافلام المصرية حلالا في شريعتهم حراما بالصورة الملونة, بعد سنوات غابت هذه الاسطوانة وهدأت الاصوات الناعقة بها, ليغزو التلفزيون الملون كل بيت بل وكل غرفة .
عام الفين اشترى جيراني (ابو عباس ) الشبكة ذات الريموت, وما ان بدأ (ابو عباس) بتدوير الشبكة عبر جهاز الريموت حتى انتشرت الشائعات في منطقتنا الشعبية ان (ابو عباس) لديه جهاز تجسس على شباب المنطقة, ليعرف من هو الهارب من الخدمة العسكرية, ويقوم بالتنصت على اعداء صدام ومناوئيه, ولم تمر سنة واحدة حتى اضحت كل بيوت المنطقة تعلوها شبكات التجسس على الشباب من خلال شبكة الريموت .

ثم مرت علينا المحنة الكبرى في اقتناء جهاز الستلايت, حيث اعترضت عمتي ام جلال, وكانت تردد في كل مساء تزورنا فيه في البيت : (انكم فاسدين وصلاتكم غير مقبولة), بعد سنتين زرت عمتي في البيت لاجدها منشغلة بالبكاء على محاضرة السيد الصافي على قناة الانوار الفضائية .

ثم كانت المحنة الاخرى حول فساد حاملي جهاز الموبايل وسوء اخلاقهم, ولم تمر سوى سنوات قليلة حتى اقتنى صغار العمر اجهزة الموبايل على مختلف انواعها .

كل هذه الصور من الشائعات الكبيرة والانتقادات الكثيرة جالت بخاطري وانا استمع لترهات بعض الاشخاص حول انحراف كل من يدخل على شبكة الانترنت, و ازدراء العوائل التي تضع جهاز النانو على اسطح البيوت, مدعين انها صناعة اسرائيلية بثتها في ارض العراق, متناسين انها شبكة عالمية يستخدمها الملايين من البشر, جلهم من جنسيات اجنبية وليست عراقية, والانترنت شبكة دولية يستخدمها الصالح والطالح وفيها الجيد والسيء, فهي سلاح ذو حدين, وقبل اسابيع تطرقت المرجعية الدينية في خطبة الجمعة الى الفوائد الجمة للانترنت .

واليوم نجد العتبات المقدسة والمؤسسات الدينية تعتمد في تواصل افراد المجتمع معها من خلال الشبكة الدولية, واصبح اساتذة الجامعات يدونون ملخصات محاضراتهم والاسئلة المهمة لطلابهم عبر الشبكة العنكبوتية ايضا .

وما ان يجن الليل على الامهات حتى تسعد بلقاء ابنائها في دول المهجر كأوروبا وامريكا واستراليا بالصوت والصورة عبر شبكة الانترنت, ولا تنتظر رسالته الورقية التي ان وصلت ستصل بعد شهرين او ثلاثة اشهر غارقة بما تجود به حدقات العيون .

الى متى يستمر الجهل المطبق ؟
وحتى متى يتواصل التخلف الممزوج بالسذاجة ؟
وما ردنا على هؤلاء المتقوقعين في جحور الجاهلية, الا بما نطق به فم امير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( الناس اعداء ما جهلوا ) .

رابط مختصر